التخطي إلى المحتوى

زادت مخاوف جميع اللبنانيين بشأن تدهور سعر الليرة اللبنانية في الأونة الأخيرة مما جعل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يخرج عن صمته ليعلن الوضع الحقيقي للإقتصاد اللبناني أنّ الليرة مستقرة.

واضاف سلامة أن لا خوف على الإستقرار النقدي في لبنان، ففي ذلك سياسة إعلامية دأبت حاكمية مصرف لبنان على اعتمادها مع كلّ مرة تشتد فيها حملات التشكيك، خصوصًا بعدما وصلت في الأيام الأخيرة إلى حد التنبؤ بالإنهيار الحتمي.

بصرف النظر عن مرامي هذه الشائعات التي خلقت بلبلة وخوفًا شديدين في بلد يقف على ثبات نقده، وبصرف النظر عن التزامن المريب بين بث هذه الأخبار وبين مناقشة الموازنة، وما إذا كانت تهدف في جزء منها إلى تهيئة الأرضية المناسبة لفرض سياسات تقشّف تطال جيوب المواطنين، لا سيّما وأنها قوبلت بحياد مريب من قبل المسؤولين الذين لم ينفوا كما لم يأكدوا سيناريوهات افلاس الدولة وانهيار العملة، بمعزل عن كلّ هذه الإعتبارات ما هي حقيقة الليرة اللبنانية وهل فعلًا ما زالت صامدة ، وكيف لها أن تصمد في بلد تغيب فيه الرؤى الإقتصادية، وتحل مكانها رؤى من نوع آخر، أوصلت لبنان إلى تصدّر قائمة أعلى مراتب الفساد في العالم ؟

كثر هم رجال الإقتصاد في لبنان الذين ينتقدون الهندسات المالية التي أرساها الحاكم رياض سلامة، ولكن هذه الآراء الإقتصادية لم تتبنّ شائعة انهيار الليرة، ويجب التمييز بين الرأي الإقتصادي البحت وبين التصويب على الليرة الذي يندرج في إطار المناكفات السياسية، وفق مقاربة نائب رئيس الجامعة اللبنانية الألمانية الخبير الإقتصادي الدكتور بيار الخوري الذي أوضح في حديث لـ “لبنان 24” أنّ موضوع الليرة استُخدم في فترات سابقة، كجزء من الصراع السياسي من خلال وسائل الاعلام التقليدية والحديثة عبر منصات التواصل الإجتماعي، أو من خلال أخبار نُقلت عن مراجع تبيّن لاحقا أنّها ليست حقيقية. وأضاف أنّ “الليرة هي أكثر ثباتا في البلد من أيّ شيء آخر، وفي حال لا سمح الله حصل انهيار في لبنان، فستكون الليرة آخر ما سينهار” .

الخوري دعا إلى تجاوز هذا المرض النفسي الذي يُدعى “الليرة اللبنانية”، وإلى تركيز الجهود لناحية الظروف الإقتصادية. واعتبر “أنّ هناك تجاهلًا لكل ما يحصل من أزمات وإختناقات اقتصادية، والتركيز على الثبات النقدي، في حين أنّه لا يوجد أيّ مؤشر في الأفق يدلّ إلى عدم ثبات الليرة، إلا إذا حصل زلزال او حدث على مستوى العالم ضرب البلد. أمّا في ظروفنا الحالية فالعملة اللبنانية تتمتع بمقوقات صمود بناءً على النموذج المالي الذي وضعه مصرف لبنان من هندسات ووضع كمية كبيرة من ودائع المصارف لديه، بالإضافة إلى مصلحة المصارف بعدم التمرّد على هذا الإتفاق كونه يعود عيها بالربح المادي”.

يملك مصرف لبنان احتياطًا وافرًا من العملات الأجنبية يشكّل ضمانة تمنع انهيار سعر صرف الليرة، ولكن لا يمكن الرهان على الثبات النقدي في لبنان في المدى الطويل في حال الاستمرار بعدم وضع رؤى اقتصادية صلبة، يقول الخوري، “وفي حال استمر هذا التفلّت المالي في المدى الطويل لا يمكن ضمان أيّ ثبات لليرة. ولكن في حال الخراب آخر ما يمكن التفكير فيه هو سعر صرف الليرة”.

الهندسات المالية التي يقوم بها مصرف لبنان كانت عرضة لانتقادات آخرها من قبل مكونات حكومية، وبنظر الخوري لا تندرج كلّ الإنتقادات في إطار التصويب على موقع حاكمية مصرف لبنان من منطلق الحسابات السياسية، “فهناك آراء اقتصادية تعتبر أنّ نموذج الهندسات المالية غير مستدام، وأنّه شراء للوقت بكلفة عالية جدًا، وهذا كلام صحيح يستند إلى أسس ومرجعيات علمية، ولا يمكن الاستمرار على قاعدة أن البلد قائم على السياسة النقدية فقط، لأنّ ذلك يشكّل خطرًا يشل البلد ويعطل قطاعات الانتاج. أمّا الكلام الذي يندرج في إطار المناكفات السياسية وشدّ الحبال بين القوى السياسية فلم يتمكن أصحابه مرّة من هزّ ثبات الليرة”.

الخوري لا يؤيد تحرير سعر صرف الليرة في الظرف الراهن، والثغرة تكمن في الاقتصاد اللبناني وغياب الرؤى التي تمنعنا من ممارسة هذه السياسات. وفي الوقت نفسه يشدّد على وجوب تغيير الصورة الذهنية السائدة التي تربط استمرار البلد باستقرار الليرة “لأنّه وفق هذا التصور أيّ اهتزاز للاستقرار النقدي يؤدي الى ضرب عامل الثقة، وكي لا نبقى محصنين وراء هذه الورقة الوحيدة المسماة صمود الليرة، وجب علينا بناء بنية اقتصادية تنتج فوائض وتصلّب الاقتصاد اللبناني بشكل تصبح فيه الليرة محمولة على بحر خفيف”.

إذن الليرة ثابتة، وإذا كان التلويح بالإنهيار بقصد تمرير ضرائب تطال جيوب الفقراء، فالأولى أن يتمّ تخفيض عجز الموازنة من إقفال بعض منافذ الهدر، وهي كثيرة من التهرب الضربيبي والجمركي الى الأملاك البحرية وإيجارات المباني الحكومية وغيرها، والذهاب ولو لمرة واحدة لوضع خطط اقتصادية تحصّن اقتصادنا من رياح الداخل والإقليم، بدل الهروب إلى الأمام أو الإنتظار على أرصفة الدول المانحة، لتمنحنا قروضًا لم نتمكن مرّة من معرفة وجهة انفقاها، طالما أنّ البنى التحتية ما زالت متهالكة ولم تشهد تأهيلًا، وطالما أنّ الدولة اللبنانية لم تتمكن بعد من تأمين الكهرباء لمواطنيها على رغم مليارات الدعم لهذا القطاع.

المصدر: لبنان 24

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.